السيد كمال الحيدري

137

اللباب في تفسير الكتاب

ظاهريّة ساذجة وتحقيقيّة برهانيّة ، والحضوريّة تنقسم إلى تحقّقية إحاطيّة وغير إحاطيّة . والفرق بين المعرفة التحقيقيّة والتحقّقيّة هي : إنّ المعرفة التحقيقيّة هي اعتماد الأدلّة العقليّة القطعيّة في إثبات حقيقة من حقائق الوجود ، وهذا يستلزم إقامة البرهان ضمن الشرائط التي ذكرت لذلك . وهذا الطريق يعتمد العقل في تأسيس وتقرير براهينه ، وبذلك تعطى الباحث اتّزاناً معرفيّاً صوريّاً ، والمراد من الصوريّة هنا هو كونها لا تعدو دائرة الذهن . وأمّا المعرفة التحقّقية بغضّ النظر عن كونها إحاطيّة أو غير إحاطيّة فإنّها تسلك بالإنسان طريقاً آخر للوقوف على الحقائق ، وهو طريق الكشف والشهود والمعاينة ، ونتيجة الشهود ليست صوراً ذهنيّةً وإنّما حقائق وجوديّة خارجيّة . بعبارة أُخرى : إنّ حصيلة التحقيق البرهاني هي أن يكون الباحث مظهراً لنتيجة ذلك السير العقلي ، ولذا فإنّه لا يخرج عن دائرة المفهوم والصورة الذهنيّة . وأمّا حصيلة التحقّق الشهودي فهي أن يكون السالك مظهراً لنتيجة ذلك السير المعنوي القلبي ، أي أن يكون السالك مظهراً لما تحقّق به . ويمكن تقريب هذا الفرق بمثال وجدانىّ في متناول الجميع ، وهو الجوع والعطش ، فمن عرف ما هو الجوع وكيف يصيب الإنسان وكيف يتخلّص منه دون أن يعيش حالة الجوع ، فإنّ معرفته هذه معرفة تحقيقيّة . وأمّا من عاش الجوع بنفسه فإنّ معرفته بالجوع تكون تحقّقيّة حيث تعرّض نفسه للجوع وصار جائعاً ، وشتّان بين من عرف الجوع ومن عاشه ، ولذا قيل : من وُصف له الشهد ليس كمَن ذاقه . إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : تبيّن من مجموع الأبحاث السابقة أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ، وأنّ الظاهر يندرج في دائرة المعرفة الحصوليّة ، وأنّ الباطن يندرج في دائرة المعرفة الشهوديّة ، وهكذا في التفسير فهو حصولىّ والتأويل فهو شهودىّ حضورىّ .